فصل: قال الثعالبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الثعالبي:

قوله عز وجل: {المر تِلْكَ آيات الكتاب والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحق}
قال ابن عباس: هذه الحروفُ هي مِنْ قوله: أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَرَى.
وقوله سبحانه: {الله الذي رَفَعَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ...} الاية: قال جمهور النَّاس: لاَ عَمَدَ للسموات ألبتَّة، وهذا هو الحَق والعمدُ: اسم جَمْعٍ.
قوله سبحانه: {ثُمَّ استوى عَلَى العرش}: {ثم}؛ هنا: لعطفِ الجُمَلِ، لا للترتيبِ؛ لأن الاستواء على العَرْش قبل رَفْعِ السموات، ففي الصحيحِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السموات وَالأَرْضَ» وقد تقدَّم القول في هذا، وفي معنى الاستواء.
* ت *: والمعتَقَدُ في هذا: أنه سبحانَهُ مستو على العرشِ على الوَجْهِ الذي قاله، وبالمعنَى الذي أراده استواء منزَّهًا عن المماسَّة والاستقرار والتمكُّن والحلولِ والانتقال، لا يحملُهُ العَرْش، بل العرشُ وَحَمَلَتُهُ محمُولُون بلُطْفِ قُدْرته، ومَقْهُورون في قَبْضته، كان اللَّه ولا شيءَ معه، كان سبَحَانه قَبْلَ أَنْ يخلق المَكَانَ والزمَانَ، وهو الآنَ على ما عليه كان.
وقوله سبحانه: {وَسَخَّرَ الشمس والقمر}: تنبيهٌ على القُدْرة، وفي ضِمْن الشمسِ والقَمَر الكواكِبُ، ولذلك قال: {كُلٌّ يَجْرِي} أي: كلُّ ما هو في معنى الشَّمْسِ والقَمَرِ، والأجلُ المسمَّى: هو انقضاء الدنيا، وفسادُ هذه البنْيَةِ.
{يُدَبِّرُ الأمر}: معناه: يُبْرمه وينفذه، وعبَّر بالتدبير، تقريبًا للأفهام، وقال مجاهد: {يُدَبِّرُ الأمر}: معناه يقضيه وحْدَهُ.
و{لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}: أي: توقنون بالبَعْثِ. اهـ.

.قال أبو السعود:

{المر} اسمٌ للسورة ومحلُّه إما الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي هذه السورةُ بهذا الاسمِ وهو أظهرُ من الرفع على الابتداء إذ لم يسبِق العلَم بالتسمية كما مر مرارًا وقوله تعالى: {تِلْكَ} على الوجه الأول مبتدأ مستقلٌ وعلى الوجه الثاني مبتدأ ثانٍ أو بدل من الأول أشير به إليه إيذانًا بفخامته. وإما النصبُ بتقدير فعلٍ يناسب المقامَ نحوُ اقرأ أو اذكر، فتلك مبتدأٌ كما إذا جعل آلمر مسرودًا على نمط التعديدِ أو بمعنى أنا الله أعلمُ وأرى على ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما، والخبر على التقادير قوله تعالى: {آياتِ الكتاب} أي الكتابِ العجيب الكامل الغنيِّ عن الوصف به المعروفِ بذلك من بين الكتب الحقيقِ باختصاص اسم الكتابِ فهو عبارةٌ عن جميع القرآن أو عن الجميع المنزّل حينئذ حسبما مر في مطلع سورةِ يونُسَ إذ هو المتبادرُ من مطلق الكتابِ المستغني عن النعت، وبه يظهر ما أريد من وصف الآياتِ بوصف ما أضيفت إليه من نعوت الكمالِ بخلاف ما إذا جُعل عبارةً عن السورة فإنها ليست بتلك المثابة من الشهرة في الاتصاف بذلك، المغنية عن التصريح بالوصف على أنها عبارةٌ عن جميع آياتِها فلابد من جعل: {تلك} إشارةً إلى كل واحدةٍ منها، وفيه ما لا يخفى من التعسف الذي مر تفصيلُه في سورة يونس.
{والذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ} أي الكتابَ المذكور بكماله لا هذه السورةُ وحدها: {الحق} الثابتُ المطابق للواقع في كل ما نطق به، الحقيقُ بأن يُخَصّ به الحقّيةُ لعراقته فيها، وليس فيه ما يدل على أن ما عداه ليس بحق أصلًا على أن حقّيتَه مستتبِعةٌ لحقية سائرِ الكتبِ السماوية لكونه مصدّقًا لما بين يديه ومهيمِنًا عليه، وفي التعبير عنه بالموصول وإسنادِ الإنزال إليه بصيغة المبنيِّ للمفعول والتعرّضِ لوصف الربوبية مضافًا إلى ضميره عليه السلام من الدلالة على فخامة المنزَّل التابعةِ لجلالة شأنِ المنزَّل وتشريفِ المنزَّل إليه والإيماءِ إلى وجه بناءِ الخبر ما لا يخفى: {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ} بذلك الحقِّ المبين، لإخلالهم بالنظر والتأملِ فيه، فعدمُ إيمانهم متعلقٌ بعنوان حقّيتِه لأنه المرجِعُ للتصديق والتكذيب لا بعنوان كونِه منزلًا كما قيل ولأنه واردٌ على طريقة الوصفِ دون الإخبار.
{الله الذي رَفَعَ السموات} أي خلقهن مرتفعاتٍ على طريقة قولِهم: سبحان من كبّر الفيل وصغّر البعوض، لا أنه رفعها بعد أن لم تكن كذلك، والجملةُ مبتدأ وخبرٌ كقوله: {وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض}: {بِغَيْرِ عَمَدٍ} أي بغير دعائمَ جمع عِماد كإهاب وأَهَب وهو ما يُعمَد به أي يُسند، يقال: عمَدتُ الحائطَ أي أدعمته، وقرئ {عُمُد} على جمع عَمود بمعنى عماد كرُسُل ورسول، وإيرادُ صيغةِ الجمع لجمع السموات، لا لأن المنفيَّ عن كل واحدة منها عَمدٌ لا عماد: {تَرَوْنَهَا} استئنافٌ استُشهد به على ما ذكر من رفع السموات بغير عمد، وقيل: صفة لعَمَدٍ جيء بها إيهامًا لأن لها عمدًا غيرَ مرئيةٍ هي قدرة الله تعالى.
{ثُمَّ استوى} أي استولى: {عَلَى العرش} بالحفظ والتدبير أو استوى أمرُه وعن أصحابنا أن الاستواءَ على العرش صفةٌ لله عز وجل بلا كيف، وأيًا ما كان فليس المرادُ به القصدَ إلى إيجاد العرش وخلقِه فلا حاجة إلى جعل كلمة ثم للتراخي في الرتبة: {وَسَخَّرَ الشمس والقمر} ذللهما وجعلهما طائعَين لما أريد منهما من الحركات وغيرها: {كُلٌّ} من الشمس والقمر: {يَجْرِى} حسبما أريد منها: {لأجَلٍ مُّسَمًّى} لمدة معينةٍ فيها تتم دورتُه كالسنة للشمس والشهر للقمر، فإن كلًا منهما يجري كلَّ يوم على مدار معينٍ من المدارات اليوميةِ أو لمدة ينتهي فيها حركاتُهما ويخرج جميعُ ما أريد منهما من القوة إلى الفعل، أو لغاية يتم عندها ذلك والجملةُ بيانٌ لحكم تسخيرهما.
{يُدَبّرُ} بما صنع من الرَّفْع والاستواء والتسخير أي يقضي ويقدّر حسبما تقتضيه الحكمةُ والمصلحة: {الأمر} أمرَ الخلق كلَّه وأمرَ ملكوتِه وربوبيتِه: {يُفَصّلُ الآيات} الدالةَ على كمال قدرتِه وبالغِ حكمتِه أي يأتي بها مفصلةً وهي ما ذكر من الأفعال العجيبةِ وما يتلوها من الأوضاع الفلكيةِ الحادثةِ شيئًا فشيئًا المستتبعةِ للآثار الغريبة في السُّفليات على موجب التدبيرِ والتقديرِ، فالجملتان إما حالان من ضمير استوى وقوله: {وَسَخَّرَ الشمس والقمر} من تتمة الاستواءِ وإما مفسّرتان له أو الأولى حالٌ منه والثانية من الضمير فيه أو كلاهما من ضمائر الأفعالِ المذكورة وقوله: {كُلٌّ يَجْرِى لاِجَلٍ مُّسَمًّى} من تتمة التسخيرِ أو خبران عن قوله: الله خبرًا بعد خبر، والموصولُ صفةٌ للمبتدأ جيء به للدلالة على تحقيق الخبرِ وتعظيمِ شأنِه كما في قول الفرزدق:
إن الذي سمك السماءَ بنى لنا ** بيتًا دعائمُه أعزُّ وأطول

{لَعَلَّكُمْ} عند معاينتِكم لها وعثورِكم على تفاصيلها: {بِلِقَاء رَبّكُمْ} بملاقاته للجزاء: {تُوقِنُونَ} فإن من تدبّرها حقَّ التدبر أيقن أن من قدَر على إبداع هذه الصنائعِ البديعةِ على كل شيء قديرٌ وأن لهذه التدبيراتِ المتينة عواقبَ وغاياتٍ لابد من وصولها وقد بُيّنتْ على ألسنة الأنبياءِ عليهم السلام أن ذلك ابتلاءٌ للمكلفين ثم جزاؤهم حسب أعمالِهم فإذن لابد من الإيقان بالجزاء. اهـ.

.قال الألوسي:

{المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1)}
{بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم المر}
أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أن معنى ذلك أنا الله أعلم وأرى وهو أحد أقوال مشهورة في مثل ذلك: {تِلْكَ ءايات الكتاب} جعل غير واحد الكتاب بمعنى السورة وهو بمعنى المكتوب صادق عليها من غير اعتبار تجوز، والإشارة إلى آياتها باعتبار أنها لتلاوة بعضها والبعض الآخر في معرض التلاوة صارت كالحاضرة أو لثبوتها في اللوح أو مع الملك، والمعنى تلك الآيات السورة الكاملة العجيبة في بابها، واستفيد هذا على ما قيل من اللام، وذلك أن الإضافة بيانية فالمآل ذلك الكتاب، والخبر إذا عرف بلام الجنس أفاد المبالغة وأن هذا المحكوم عليه اكتسب من الفضيلة ما يوجب جعله نفس الجنس وأنه ليس نوعًا من أنواعه.
وحيث أنه في الظاهر كالممتنع أريد ذلك.
وجوز أن يكون المرادب الكتاب القرآن، و: {تِلْكَ} إشارة إلى آيات السورة، والمعنى آيات هذه السورة آيات القرآن الذي هو الكتاب العجيب الكامل الغني عن الوصف بذلك المعروف به من بين الكتب الحقيق باختصاص اسم الكتاب، والظاهر أن المراد جميعه.
وجوز أن يراد به المنزل حينئذٍ، ورجح إرادة القرآن بأنه المتبادل من مطلق الكتاب المستغني عن النعت وبه يظهر جميع ما أريد من وصف الآيات بوصف ما أضيفت إليه من نعوت الكمال بخلاف ما إذا جعل عبارة عن السورة فإنها ليست بتلك المثابة من الشهرة في الاتصاف بذلك المغنية عن التصريح بالوصف وفيه بحث، وأيًا ما كان فلا محذور في حمل آيات الكتاب على تلك كما لا يخفى، وقيل: الإشارة بتلك إلى ما قص سبحانه عليه عليه الصلاة والسلام من أنباء الرسل عليهم السلام المشار إليها في آخر السورة المتقدمة بقوله سبحانه: {ذلك مِنْ أَنبَاء الغيب} [يوسف: 102] وجوز على هذا أن يراد بالكتاب ما يشمل التوراة والإنجيل، وأخرج ذلك ابن جرير عن مجاهد.
وقتادة.
وجوز ابن عطية هذا على تقدير أن تكون الإشارة إلى المر مرادًا بها حروف المعجم أيضًا وجعل ذلك مبتدأ أولًا و: {تِلْكَ} مبتدأ ثانيًا و: {ءايات} خبره والجملة خبر الأول والرابط الإشارة، وأما قوله سبحانه وتعالى: {والذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ الحق} فالظاهر أن الموصول فيه مبتدأ وجملة: {أَنَزلَ} من الفعل ومرفوعه صلته: {وَمِنْ رَبَّكَ} متعلق بأنزل: {والحق} خبر، والمراد بالموصول عند كثير القرآن كله؛ والكلام استدراك على وصف السورة فقط بالكمال، وفي أسلوبه قول فاطمة الأنمارية وقد قيل لها: أي بنيك أفضل؟ ربيع بل عمارة بل قيس بل أنس ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل والله أنهم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها، وذلك كما أنها نفت التفاضل آخرًا بإثبات الكمال لكل واحد دلالة على أن كمال كل لا يحيط به الوصف وهو إجمال بعد التفصيل لهذا الغرض، كذلك لما أثبت سبحانه لهذه السورة خصوصًا الكمال استدركه بأن كل المنزل كذلك لا يختص به سورة دون أخرى للدلالة المذكورة، وهو على ما قيل معنى بديع ووجه بليغ ذكره صاحب الكشاف، وقيل: إنه لتقرير ما قبله والاستدلال عليه لأنه إذا كان كل المنزل عليه حقًا ففذلك المنزل أيضًا حق ضرورة أنه من كل المنزل فهو كامل لأنه لا أكمل من الحق والصدق، ولخفاء أمر الاستدلال.
قال العلامة البيضاوي: إنه كالحجة على ما قبله، ولعل الأول أولى ومع ذا لا يخلو عن خفاء أيضًا، ولو قيل: المراد بالكمال فيما تقدم الكمال الراجع إلى الفصاحة والبلاغة ويكون ذلك وصفًا للمشار إليه بالإعجاز من جهة ذلك، ويكون هذا وصفًا له بخصوصه على تقدير أن يكون فيه وضع الظاهر موضع الضمير أو لما يشمله وغيره على تقدير أن لا يكون فيه ذلك بكونه حقًا مطابقًا للواقع إذ لا تستدعي الفصاحة والبلاغة الحقية كما يشهد به الرجوع إلى المقامات الحريرية لم يبعد كل البعد فتدبر.